هل نحن في عصر التعاطف في العمل؟

الجواب هو نعم إلى حدٍ كبير. ولكن قبل أن نوغل في الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نفهم ما المقصود بالتعاطف؟ فالتعريف الشائع لـ "التعاطف" هو القدرة على وضع أنفسنا مكان الشخص الآخر محاولين أن نفهم حالته، ومشاعره ودوافعه والإقرار بأننا نراه ونسمعه ونفهم تأثير الموقف عليه، بغض النظر عن آرائنا الشخصية وبعيداً عن قيامنا بأي أحكام تجاهه.

خلال جائحة كورونا بدأ التعاطف يحتل مركز الصدارة في مجال الأعمال، حيث أدرك العديد من الأفراد والمؤسسات أهمية التعاطف في مكان العمل في مثل هذه الفترة. وقد سعت العديد من المؤسسات حينذاك لاستحداث سياسات أكثر مرونة وتعاطفاً مع موظفيهم كالعمل عن بعد أو العمل المدمج أو السماح بـ "وقت للاستراحة " بعيدًا عن المكتب، وغيرها من الإجراءات؛ لتخفف من الضغوطات التي يتعرض لها الموظفون أثناء الجائحة.

كما ذكر مركز القيادة الإبداعية (CCL®) أن طبيعة القيادة آخذة في التحول، إذ أصبحت تركز بشكل أكبر على بناء العلاقات والحفاظ عليها، خصوصاً أن أسلوب العمل المدمج قد فرض على القادة اليوم معرفة من يعمل معهم بالفريق عن بعد، وقد يكون هؤلاء الآخرون في مكاتب أخرى أو مدينة أخرى أو حتى بلد آخر. مما يعني أن القيادة تحتاج للقدرة على عبور الحدود الجغرافية والتنظيمية والثقافية نحو إنشاء توجه مشترك ومواءمة، والذي يتطلب التزاماً بين الفئات المختلفة. وعندما نتكلم عن القيادة لا نعني فقط الرؤساء في العمل، بل نعني الجميع لأن كلٌ منّا يمكن أن يكون قائداً من موقعه. وبالتالي كما يحتاج الموظفون لتفهم وتعاطف قادتهم، كذلك من هم في موقع القيادة هم أيضاً بحاجة لتفهم مرؤوسيهم ودعمهم. فلا يمكن لبيئة عمل أن تكون متعاطفة إذا ما كان هذا التعاطف انتقائياً.

وقد دلت الدراسات على ارتفاع نسبة التعاطف في العمل خلال سنة 2021 مقارنة بما كانت عليه سابقاً، إذ عكست انتعاشاً في تقييمات الموظفين لتعاطف مؤسساتهم إذ أنَ 72٪ من الموظفين صنفوا مؤسساتهم على أنها متعاطفة – أي أعلى بأربع نقاط مئوية من العام السابق. وكشف استطلاع Paychex لـ 1000 موظف أمريكي أن معنويات الفريق المنخفضة تضاعفت أكثر من الضعف خلال الجائحة.

ويقول الخبراء أن التعاطف أصبح ضرورة ولن نستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ويجب أن يظل تضمين التعاطف في صميم كل ما نقوم به. حتى أننا غدونا نشهد اليوم مصطلحات، مثل: "القيادة المتعاطفة" و"التسويق التعاطفي" و "البيع التعاطفي" وغيرها. ويقول تقرير شركة إرنست آند يونغ" توصل بحثنا إلى أن التعاطف ليس أمرًا ممتعًا فحسب، بل هو الغراء والمسرع للتغيير في قطاع الأعمال".

بالمقابل قد لا يشعر البعض بالراحة لإظهار تعاطفه، وليس بالضروري أن يكون سبب ذلك أنه إنسان سيىء. فالبعض قد يظن أن التعاطف ضعفاً في الوقت الذي يتطلب التعاطف معرفة عميقة للذات وثقة عالية في النفس. فقد أظهرت النتائج أن سبعة من كل عشرة أفراد يصعب عليهم إظهار التعاطف باستمرار في حياتهم العملية خشية أن يبدوا ضعيفين أو غير واثقين.

يقول دانييال غولمان وهو من تكلم عن الذكاء العاطفي بأننا إذا تعاطفنا مع أحدهم لا يعني أننا نتفق معه دائماً أو أننا نسعى لإرضائه، بل يعني أننا نفهم ما يمر به هذا الشخص، حتى نتمكن من الرد بطريقة تعترف بأفكاره ومشاعره ومخاوفه. وبالتالي فإن التعاطف لا يؤيد الأداء الوظيفي الضعيف أو حتى الاتفاق مع الشخص المعني، بل هو مجرد تعليق مؤقت لوجهة نظرك ومحاولة رؤية الموقف من وجهة نظر الشخص الآخر لفترة وجيزة. ويتيح التعاطف لصاحبه الخروج من جمود الموقف والاستجابة لقضايا العمل بقدر أقل من الأحكام والعداوة والمزيد من النضج والموضوعية والإنصاف.

إنَ التاريخ الإسلامي ينضح بالأمثلة التي تشجع على التعاطف بدءاً من القرآن الكريم ومروراً بسير الأنبياء والصحابة رضي الله عنهم، وفي عصرنا الحالي قد يكون أوضح مثال عن القائد المتعاطف ما قاله سمو ولي العهد للمنتخب السعودي قبل ذهابه لخوض المباريات في المونديال "ما هو متوقع فوز أو تعادل، نريد منكم أن تلعبوا لعبكم المريح، وإن شاء الله القادم أفضل، أنا لا أريدكم أن تكونوا تحت ضغط نفسي، يؤثر على أدائكم الطبيعي".

من الجدير بالذكر أنَ التعاطف مهارة يمكن للجميع تعلمها واكتسابها عبر الممارسة المستمرة، فهل ستشهد الأيام القادمة تأثير عدوى الدومينو التعاطفي والذي بدوره سيرفع مستوى أداءنا داخل مكان العمل وخارجه؟

أ. فرح أبو علفه